الشيخ علي المشكيني
86
رسائل قرآنى
أَجْمَعِينَ « 1 » ، وقال : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَدَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ « 2 » . البحث الأربعون : رأى إبراهيم عليه السلام ملكوتها إنّها هي التي أرى اللَّه تعالى لإبراهيم خليله ملكها ، وعجائب خلقها ، وبدائع نظمها ، وأراه ملك السماوات أيضاً ؛ كلّ ذلك لإغراض هامّة ، وليكون من الموقنين بربّه وآثار عظمته . قال تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَاأُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَمْيَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هذَا رَبِّي هذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . « 3 » الملكوت تصدر بمعنى التسلّط والاستيلاء ، لكن فيه كمال وشدّة ، لوجود الواو والتاء ؛ فالمعنى السلطنة والسيطرة الكاملة ، كالطاغوت بمعنى كثير الطغيان ، والجبروت بمعنى التجبّر الشديد ، وكثيراً ما يستعمل بمعنى المفعول ، فيكون المراد الملك العظيم . وعلى الأوّل فالمعنى أنّ اللَّه تعالى أرى إبراهيم تسلّطه وقدرته الكاملة التامّة على السماوات والأرض ؛ فانكشف له من حالاتها وحركاتها وسكونها ودورانها والتصرّفات الصادرة بيد اللَّه أو بيد الملائكة المدبّرات أمراً والمقسّمات أمراً والمتصرّفات نظماً وتدبيراً ما لم يحصل لأحد غيره . وعلى الثاني : فاللَّه أراه الملك العظيم ملك السماوات والأرض ، فانكشف له من هذا العالم حقائق موجوداتها ، على ما هي عليه ، من عجائب صنعها ، وبدائع خلقها ، وأوصافها وأحوالها ، وعظمها وصغرها ، من ذرّاتها الأتميّة إلى كراتها الفلكيّة ومنظوماتها الشمسيّة . والفرق بين الأمرين والانكشافين كالفرق بين من رأى معملًا كبيراً كمعمل ذوب الحديد والكهرباء في حال حركتها واشتغالها وجريانها على وفق ما قصد منها ، فيرى جزئيّات
--> ( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 77 . ( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 14 - 15 . ( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 72 - 75 .